أنت هنا

عبد الله بن إبراهيم العسكر

د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

 

في الأسبوع ما قبل الماضي سجلت في حديث الأربعاء الذي أنشره في هذه الجريدة فرحتي وإعجابي بجامعة الملك سعود، وذلك بمناسبة إنشاء كرسيّ لدراسات السلام. واليوم تصر الجامعة كعادتها على المسير في طريق التميز والريادة، وخدمة الوطن والعلم، وذلك بحصولها على الموافقة السامية على إنشاء مركز الدراسات السكانية .

والكل يعرف أهمية الدراسات السكانية لمجمل التنمية والتحديث الذي عليه بلادنا حرسها الله. ومعروف أن الدراسات والبحوث في ميدان القضايا السكانية تحظى باهتمام كبير في أنحاء العالم، نظراً لأهميتها في مجال التنمية بأنواعها. لهذا نجد اهتماما كبيرا من قبل الحكومات ، والهيئات ، والجامعات، ومراكز البحوث، والمنظمات العالمية والإقليمية، ويزداد الاهتمام في بعض الدول النامية التي تشهد معدلات نمو متسارعة، وتعاني من تدفق تيارات الهجرة من الريف إلى المدن والمراكز الحضرية، وكذلك انتقال العمالة الوافدة بين الدول .

على أننا نعي ونشاهد أن التنمية في بلادنا صاحبتها تغيرات ديموغرافية متسارعة، تمثلت في ارتفاع معدلات المواليد، وانخفاض معدلات الوفيات، مما أدى إلى ارتفاع معدلات النمو السكاني. كما تمثلت تلك التغيرات الديموغرافية في إعادة توزيع السكان، وازدياد تيارات الهجرة الداخلية، خصوصاً نحو المراكز الحضرية الكبيرة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين الميلادي الفارط. ورافق ذلك مشكلات أخرى مثل: ارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم مشكلات الازدحام، وزيادة حوادث المرور، وزيادة الضغط على المرافق والخدمات العامة. كما نتج عن النمو السكاني السريع زيادة في أعداد الشباب، مما أدى إلى ضغط على القبول في الجامعات من جهة، وارتفاع في معدلات البطالة من جهة أخرى. كل هذه المشكلات تحتاج إلى مركز متخصص يهتم بها.
ونظراً لعدم وجود مركز متخصص في أي من الجامعات السعودية يُعنى بالقضايا السكانية، تبرز الحاجة بشكل أكبر لهذا المركز. وتجدر الإشارة إلى أن معظم دول العالم أنشأت مراكز للدراسات السكانية استشعاراً لأهمية دورها التنموي. ومما يُشجع على فكرة إنشاء هذا المركز توفر معظم متطلباته البشرية المتخصصة، من علماء سعوديين في مختلف التخصصات التي يحتاجها المركز.

وتتلخص رؤية المركز في أن يكون واحداً من المراكز العلمية المميزة في المملكة العربية السعودية والعالم، ويسهم في إجراء الدراسات العلمية في مجالات السكان والقوى العاملة، إلى جانب تقديم الخبرات الاستشارية، وخدمة الباحثين، وتأهيل وتدريب أجيال الباحثين المتمكنين في مجال دراسات السكان والقوى العاملة. وأعجبتني رسالة المركز التي تتلخص في تحقيق التنمية السكانية، من خلال دراسة بعض القضايا الأساسية ذات العلاقة بالسكان. مثل: البطالة، والهجرة، والفقر، والتحضر، والنمو السكاني. ورسالة المركز أيضا تصب في رفع نوعية الحياة في المجتمع السعودي، التي تسعى خطط التنمية المتتالية إلى تحقيقها. ويهدف المركز إلى إجراء البحوث والدراسات العلمية، ودعمها، والمساعدة في إعداد الكوادر المؤهلة. وتوطين الخبرات الأجنبية في ميدان الدراسات السكانية، وتقديم الاستشارات للمؤسسات الحكومية والخاصة.

ويأمل المركز في قابل أيامه، وعندما يستقيم على ساقه أن ينظم دورات وورش عمل متخصصة في مجال البيانات السكانية، وعقد ندوات علمية تناقش قضايا السكان والتنمية، وإعداد دراسات الجدوى والاستشارات في مجال السكان والموارد البشرية، وتكوين قاعدة معلومات عن المتخصصين السعوديين في ميدان اختصاصات المركز.

هذا سعي للجامعة مشكور، وأقولها صراحة إن الجامعة عرفت مقدار الحاجة لإنشاء "مركز للدراسات السكانية " من أجل المساهمة في خدمة التنمية في بلادنا، والإسهام في تلبية الحاجة المتزايدة للمتخصصين في مجالات الدراسات السكانية والديموغرافيا.

 

لقد أدى عدم وجود مركز متخصص لدراسة السكان إلى اضطرار الراغبين في دراسة هذا التخصص إلى السفر خارج المملكة، وكذلك اضطرار الجهات الحكومية والخاصة إلى ابتعاث منسوبيها للتدريب في مراكز الدراسات السكانية خارج المملكة، والتعاقد مع الخبراء من الخارج لإجراء الاستشارات والبحوث في مجال السكان.

وغني عن القول أن جامعة الملك سعود، وهي تسعى لاستكمال البنية التحتية في ميدان التخصصات الأكاديمية والمراكز والكراسي العلمية، إنما تضع المملكة على مشارف العلم والتقدم والتطور. وهذا المركز وما سبقه من مراكز وكراسي علمية، وما سيلحقه كفيل بأن يجعل جامعة الملك سعود بيت خبرة عالي الجودة. وأنا متفائل أننا لو سلكنا هذا الطريق الذي تسلكه جامعة الملك سعود، سنصبح وقد وطدنا العلم والتقنية والخبرة.

أبارك لجامعة الملك سعود هذا التوجه، وأشكر المقام السامي ووزارة التعليم العالي على استشعار المستقبل العلمي ودعمه وتوطينه في جامعة الملكسعود.